أحمد بن علي القلقشندي

383

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

« عليّ بن موسى بن جعفر » بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، لما رأى [ من ] فضله البارع ، وعلمه الناصع ، وورعه الظاهر ، وزهده الخالص ، وتخلَّيه من الدنيا ، وتسلَّمه من الناس ، وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطئة ، والألسن عليه متفقة والكلمة فيه جامعة . ولما لم يزل يعرفه به من الفضل يافعا وناشئا ، وحدثا ومكتهلا ، فعقد له بالعقد والخلافة إيثارا للَّه والدّين ، ونظرا للمسلمين ، وطلبا للسلامة وثبات الحجّة والنجاة في اليوم الذي يقوم الناس فيه لربّ العالمين . ودعا أمير المؤمنين ولده ، وأهل بيته ، وخاصّته ، وقوّاده ، وخدمه ، فبايعوه مسرعين مسرورين ، عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة اللَّه على الهوى في ولده وغيرهم ممن هو أشبك به رحما وأقرب قرابة ، وسمّاه « الرّضيّ » إذ كان رضيّا عند أمير المؤمنين . فبايعوا معشر بيت أمير المؤمنين ومن بالمدينة المحروسة من قوّاده وجنده ، وعامة المسلمين « الرّضيّ » من بعده ، على اسم اللَّه وبركته وحسن قضائه لدينه وعباده ، بيعة مبسوطة إليها أيديكم ، منشرحة لها صدوركم ، عالمين بما أراد أمير المؤمنين بها ، وآثر طاعة اللَّه والنظر لنفسه ولكم فيها ، شاكرين للَّه على ما ألهم أمير المؤمنين من نصاحته في رعايتكم ، وحرصه على رشدكم وصلاحكم ، راجين عائده في ذلك في جمع ألفتكم ، وحقن دمائكم ، ولمّ شعثكم ، وسدّ ثغوركم ، وقوّة دينكم ، ورغم عدوّكم ، واستقامة أموركم . وسارعوا إلى طاعة اللَّه وطاعة أمير المؤمنين ، فإنّه الأمر إن سارعتم إليه ، وحمدتم اللَّه عليه ، عرفتم الحظَّ فيه ، إن شاء اللَّه تعالى . وعلى هذه الطريقة كتب الوزير أبو حفص بن ( 1 ) برد عهد ( 2 ) الناصر لدين

--> ( 1 ) هو الوزير الكاتب أبو حفص أحمد بن برد الأكبر ، جدّ أحمد بن محمد الكاتب المعروف بابن برد الأصغر . كان ذا حظ وافر من الأدب والبلاغة والشعر ، رئيسا مقدّما في الدولة العامرية وبعدها . قلَّد ديوان الإنشاء بعد عبد الملك بن إدريس الجزيري ، وكتب للمنصور العامريّ ، ثم كتب عن سليمان المستعين وغيره من الأمراء الفتنة . توفي سنة 418 هبسرقسطة وقد نيّف على الثمانين . انظر الذخيرة ( ق 1 م 1 ص 103 - 123 ) ، وجذوة المقتبس ص 119 ، وبغية الملتمس ص 172 ، ونفح الطيب ( ج 1 ص 424 ) ، وتاريخ ابن خلدون ( ج 7 ص 321 ) وتاريخ إسبانيا الإسلامية ص 91 ، 95 . ( 2 ) ورد هذا العهد في البيان المغرب ( ج 3 ص 44 - 46 ) ، وتاريخ إسبانيا الإسلامية ص 91 - 93 ، ونفح الطيب ( ج 1 ص 424 ) ، وتاريخ ابن خلدون ( ج 7 ص 321 - 323 ) .